ابن هشام الأنصاري
148
شرح قطر الندى وبل الصدى
إحداها : قبل جواب « لولا » « 1 » ، نحو قوله تعالى : لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ « 2 » أي : لولا أنتم صددتمونا عن الهدى ؛ بدليل أن بعده : أَ نَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ « 3 » . الثانية : قبل جواب القسم الصريح ، نحو قوله تعالى : لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ « 4 » أي : لعمرك يميني ، أو قسمي ، واحترزت بالصريح عن نحو : « عهد اللّه » ؛ فإنه يستعمل قسما وغيره ، تقول في القسم : « عهد اللّه لأفعلنّ » وفي غيره : « عهد اللّه يجب الوفاء به » ؛ فلذلك يجوز ذكره تقول : « عليّ عهد اللّه » . الثالثة : قبل الحال التي يمتنع كونها خبرا عن المبتدأ « 5 » ، كقولهم : « ضربي زيدا قائما » أصله : ضربي زيدا حاصل إذا كان قائما ، فحاصل : خبر ، وإذا : ظرف للخبر
--> - الأول : أن يخبر عنه بنعت لمجرد مدح ، نحو « الحمد للّه الحميد » برفع الحميد ، أو لمجرد ذم ، نحو « أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم » برفع الرجيم . الثاني : أن يكون الخبر مخصوص نعم أو بئس مع كونه مؤخرا عنهما ، نحو « نعم الرجل زيد » ونحو « بئست المرأة هند » فإذا أعربت « زيد ، وهند » خبرا لم يجز أن يذكر مبتدؤه . الثالث : أن يكون الخبر صريحا في الدلالة على القسم ، نحو « في ذمتي لأفعلن » . الرابع : أن يكون الخبر مصدرا أتى به بدلا من فعله ، نحو قوله تعالى : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ * أي فأمري صبر جميل . ( 1 ) المراد لولا الامتناعية ، وهي التي تدل على امتناع المذكور ثانيا بسبب وجود المذكور أولا ؛ فإذا قلت : « لولا علي لهلك عمر » فإن معنى هذا الكلام : امتنع هلاك عمر بسبب وجود علي ، ولولا هذه تدخل على جملتين أولاهما اسمية والثانية فعلية ، فإذا دخلت على فعلية فالفعل مقدر بمصدر يكون مبتدأ وخبره محذوف وجوبا أيضا ، وذلك كقول الشاعر : لا درّ درّك إنّي قد رميتهم * لولا حددت ، ولا عذرى لمحدود فقوله : « حددت » - ومعناه « حرمت » - مقدر بمصدر : أي لولا الحد ، أي الحرمان موجود . ( 2 ) من الآية 31 من سورة سبأ . ( 3 ) من الآية 32 من سورة سبأ . ( 4 ) من الآية 72 من سورة الحجر . ( 5 ) فإن كان الحال صالحا لأن يخبر به عن المصدر ، نحو أن تقول : « ضربي زيدا شديد » وجب جعله خبرا ورفعه لذلك ، ولا يجوز جعله حالا ، ونصبه في هذه الحالة شاذ ، وورد منه قول العرب : « حكمك مسمطا » أي ثابتا ، فإن مسمطا صالح لأن يخبر به عن المبتدأ ، وقد نصبوه على الحال شذوذا ، وخرجوا عليه قول الزباء : ما للجمال مشيها وئيدا * أجندلا يحملن أم حديدا فقولها « وئيدا » حال سدت مسد الخبر مع صلاحيته للإخبار به ، وذلك شاذ ، وعلماء الكوفة يجعلون « ويئدا » حالا من الجمال و « مشيها » فاعلا مقدما لوئيد ، وهو غير مرتضى عند أهل البصرة .